الرئيسية » دراسات وأبحاث » توظيف التراث الشعبي في الشعر الفلسطيني للحفاظ على الهوية الوطنية
alnaqap_01

أ.د. حماد حسن أبو شاويش

أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأقصى / غزة / فلسطين

يمثل استخدام التراث وتوظيفه والبحث عن الجذور في الشعر الفلسطيني المعاصر قيمة فنية إلى جانب إسهامه في تجلية الهوية الثقافية الوطنية خاصة في مواجهة المخاطر التي تهدد الذات العربية الفلسطينية، فقد تعمد الاحتلال بوعي وإصرار محاربة تراثنا والقضاء على عناصر ثقافية تؤكد أصالتنا ومكاننا من التاريخ والحضارة، وقد أدرك شعراء الأرض المحتلة وغيرهم من شعراء فلسطين هذه الأهمية للتراث الشعبي ودوره الفاعل في إيقاظ الشعور الوطني والقومي وإبقائه حياً، لهذا كان اتكاؤهم على هذا التراث مما كفل التجاوب الأوسع مع شعرهم، وقدم شهادة على الاعتزاز بالموروث المشترك.

 

 

توظيف التراث الشعبي  في الشعر الفلسطيني للحفاظ على الهوية الوطنية

“شعر سميح القاسم أنموذجا”

أ.د. حماد حسن أبو شاويش

أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأقصى / غزة / فلسطين

بحث مقدم

للمشاركة في مؤتمر التراث الشعبي الفلسطيني هوية وانتماء

ملخص البحث

يمثل استخدام التراث وتوظيفه والبحث عن الجذور في الشعر الفلسطيني المعاصر قيمة فنية إلى جانب إسهامه في تجلية الهوية الثقافية الوطنية خاصة في مواجهة المخاطر التي تهدد الذات العربية الفلسطينية، فقد تعمد الاحتلال بوعي وإصرار محاربة تراثنا والقضاء على عناصر ثقافية تؤكد أصالتنا ومكاننا من التاريخ والحضارة، وقد أدرك شعراء الأرض المحتلة وغيرهم من شعراء فلسطين هذه الأهمية للتراث الشعبي ودوره الفاعل في إيقاظ الشعور الوطني والقومي وإبقائه حياً، لهذا كان اتكاؤهم على هذا التراث مما كفل التجاوب الأوسع مع شعرهم، وقدم شهادة على الاعتزاز بالموروث المشترك.

ويعد سميح القاسم من الشعراء الفلسطينيين الذين أكثروا من استلهام التراث الشعبي وبلغ به الحرص على توظيفه حد التفنن في استخدامه وجعله ركيزة هامة في شعره، واتخاذه عنصراً بنائياً للتعبير عن قضايا وطنية وإنسانية.

        وتقف هذه الدراسة عند أهم المأثورات الشعبية كالأغنية الشعبية والحكاية الشعبية والمثل الشعبي، وعند طريقة توظيفها في شعر سميح القاسم، ودورها في الحفاظ على الهوية الوطنية والكشف عن أبرز دلالاتها وأبعادها الفنية.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

يشمل التراث الشعبي المعتقدات الشعبية والمعارف والعادات والتقاليد والثقافة المادية والإبداع الأدبي الشعبي من فنون شعبية وحكايات وحكم وأمثال وغناء شعبي (1).

والتراث الشعبي تعبير عن وجدان الشعب “يحمل في أعطافه الملامح النفسية والفكرية للمجتمع” (2). إنه ثقافة الشعب التي تراكمت منذ نشأة هذا الشعب وانتشرت وتطورت، وهو الذي صنعها وأوجدها، فهي تكشف بلا شك عن ملامحه الوطنية والقومية من جميع جوانبها، فإذا كان التراث الشعبي يعبر عن أمال الشعب وتطلعاته وبنيانه النفسي ، فإنه أيضاً يعمق شعور الإنسان بالانتماء ويثبت أصالة الشعب، كما أنه يرتبط بماضيها وتراثها، وذلك يسهم في تكوين وحدة الثقافة بين أبناء الوطن في الداخل والخارج (3).

والحق أن أمة بلا ماض وبلا جذور هي أمة بلا مستقبل ، وأن التراث والماضي والتاريخ العريق هي البوصلة التي توجه مسيرتنا وتعيدنا إلى جذورنا وتحافظ على هويتنا. وحين تتعرض أمة لخطر داهم يهدد كيانها القومي، فإنها لا تلبث أن ترتد تلقائياً بحركة رد الفعل إلى جذورها الوطنية والقومية، تتشبث بها في استماتة لتؤكد كيانها في وجه هذا الخطر الداهم، والتراث بصفة عامة والتراث الشعبي بصفة خاصة واحد من تلك الجذور القوية التي ترتكز عليها كل أمة في مواجهة أي رياح تحاول أن تعصف بوجودها القومي ، فتمنحها إحساسا قوياً بشخصيتها، ويقينا راسخاً بأصالتها وعراقتها. (4)

إن الذات العربية في فلسطين لم تتهدد في عصر من عصورها قدر ما تهددها الكيان الصهيوني ، فكان هذا الزمن – من ثم – زمن البحث عن الذات الوطنية التي تجلت فيها العناية بتاريخ الإنسان والارتباط بجذوره وتراثه والتمسك بحقه بعد الهجمة الصهيونية التي انتهت بطرده من أرضه، ولهذا فإن ارتباط الإنسان بتراثه يمنحه الهوية والحس بالامتداد التاريخي ويكسبه الثبات في مواجهة زعازع العصر من اقتلاع الجذور الحضارية وغربة النفس والفكر.

وفي مواجهة ما يتعرض له تراثنا الشعبي على يد الاحتلال من محاولات التشويه والطمس والسرقة يصبح الحفاظ عليه واجباً وطنياً وقومياً، لأن استخدامه والتشبث به مقوم من مقومات الشخصية وعامل من عوامل الصمود، وكذلك المحافظة على خصائص الهوية الوطنية الفلسطينية.

ولقد كان للشعر دوره الفاعل في إحياء تراثنا الشعبي وبعثه لأن هذا التراث يمثل ذاكرة الفرد والجماعة، وفي الحالة الفلسطينية يصبح التمسك به قضية اجتماعية وقضية تجلية ثقافية تتكالب من أجل طمسها قوى الشر والعدوان، كما يصبح قضية إحقاق حق تجهد في سبيل خنقه وإقامة الباطل على أنقاضه قوى الظلم والطغيان (5)، لذلك كان طبيعياً أن تكون علاقة الشاعر الفلسطيني بتراثه علاقة استيعاب وتفهم وإدراك واع للمعنى الإنساني والتاريخي لهذا التراث (6).

لهذا كان استخدام التراث الشعبي – وهو أداة للشاعر –  لكي يحقق إنسانيته وسط الظلام  والحصار، فمن خلال ارتباطه بجذوره يتغلغل في مسام الوجود متحدياً محاولات تعميق إحساس الإنسان بالنفي وصولاً إلى حماية الشعرية من الإغراق في الشكلية.

لقد كان التراث الشعبي واحداً من المصادر التي أغنت الشعر في فلسطين ولم يكن اعتماد الشعراء على هذا التراث نابعاً من قصور في الأداء، بل كان نابعاً من رغبة هؤلاء في التشبث بالتراث في مواجهة المحتل الذي حاول اغتصاب التراث ونسبه إلى نفسه بعد أن اغتصب  الوطن (7). لذلك كتب توفيق زياد – وهو مع سميح القاسم – من أكثر الشعراء استخداماً للتراث الشعبي في الشعر يقول: “نحن لا ننظر إلى الأدب الشعبي المتناقل وكأنه شيء من أثر الماضي أو أيقونات نعلقها على الصدور أو أشياء أثرية أو نصوص تحفظ …. ونحن لا ننظر إليه كجثة يجب تحنيطها، ووضعها في مزاد، إنما ننظر إلى الأدب الشعبي من وجهة نظر الحاضر والمستقبل ، ففي مسيرتنا نحو الحرية السياسية والاجتماعية نحن بأمس الحاجة إلى أن نشحذ ذلك السلاح الأصيل إنه لازم لنا لنصقل  به نفسيتنا حتى يزدهر كل ما هو خير وطيب بها، إن  معرفة شبيبتنا وشعبنا لتراثه الفولكلوري هو أمر ضروري له ليتربى على تقاليد إنسانية ووطنية” (8).

ويشير سميح القاسم إلى أهمية استلهام التراث الشعبي لتحقيق أكبر قدر من التواصل مع الجماهير حيث يقول: “هذا هو هدفنا، أن نصل إلى قلوب الناس، سواء بأساليبنا الجديدة، أو باستخدام ما أبدعه الشعب من أنغام أو صياغات شعرية” (9).

ويرى عز الدين المناصرة أن أحد الأسباب التي تدفع الشاعر إلى توظيف التراث الشعبي في شعره هو رغبته في حماية هذا الفن الشعبي من التزييف المتعمد والمخطط له من قبل العدو الصهيوني الذي كان حريصاً على سرقة كل شيء فلسطيني حتى تراث فلسطين، ومن ناحية أخرى فإن توظيف التراث في الشعر يتيح للشاعر المزيد من الالتحام بالجماهير عبر إدخال واستخدام اللغة التي يفهمونها في شعره،  ناهيك عن البساطة العميقة التي تحملها الأغاني، والرموز الكبيرة التي تحتوي عليها القصص والأمثال الشعبية، بالإضافة إلى تسجيل بعض الصور الشعبية والصفات الخاصة لشعب من الشعوب (10).

إن هذا يؤكد أن توظيف الشعر الفلسطيني للتراث الشعبي إنما جاء من انتماء الشاعر لوطنه وشعبه وإحساسه بواقعه وقدرته ووعيه بتراثه وتاريخه وامتلاكه لأدواته الفنية.

إن التراث الشعبي لدى الشاعر سميح القاسم شديد الحضور والمعاودة وهو يتحول في كثير من الأحيان إلى حيث يصبح جزءاً من رؤية الشاعر ومنهجه في الإدراك وطريقة في التصور الإبداعي، وقد تتكرر بعض خيوط هذه الطريقة أو الرؤية مقبوضة أو مبسوطة أو ملفوفة بغيرها من الخيوط، ولكنها في كل الحالات تشي بمستويات إيحائية متعددة مختلفة المرامي والغايات.

لقد اعتنى شاعرنا سميح القاسم بتوظيف التراث الشعبي في شعره، وكان اهتمامه بهذا الجانب كبيراً، مما يؤكد أن هذا التوظيف لم يكن عملية عشوائية بل عملية واعية ومدركة لكنوزه المعرفية وحقوله الدلالية، وما تحمله من ثقافات شعبية وخبرات جماعية وصيغ تعبيرية قادرة على الإثارة والتشويق والنهوض بالعمل الفني ومنحه عمقاً دلالياً، وأصالة فنية وإقبالاً شعبياً وأبعاداً حضارية (11).

وتقف هذه الدراسة عند أهم المأثورات الشعبية التي وظفها سميح القاسم وأكثر من استلهامها في شعره بحيث جعلها ركيزة هامة في شعره واتخذها عنصراً بنائياً للتعبير عن قضايا وطنية وإنسانية وأهم تلك المأثورات: الأغنية الشعبية والحكاية الشعبية والمثل الشعبي.

 

الأغنية الشعبية:

الأغنية الشعبية بصورة عامة هي التي أنشأها الشعب وقام بتعديلها وفق رغبته، وهي “التي تستوعبها حافظة جماعة، تتناقل آدابها شفاهاً وتصدر في تحقيق وجودها عن وجدان شعبي” (12).

والأغنية الشعبية الفلسطينية هي فن من فنون الأدب الشعبي، شفوية منشأة نظماً باللهجة العربية الفلسطينية الدارجة أبدعها واحد أو أكثر من مبدعي التراث في وقت مضى، وصادفت صدى في نفوس أكثرية شعبنا لأنها جاءت معبرة عما يجول في خواطرهم، فشاعت بينهم وظلت أجيالهم تتناقلها بعد ذلك جيلاً بعد جيل، فصارت مجهولة المؤلف مملوكة للشعب معبرة عن وجدانه الجماعي (13).

ويرى د. عبد اللطيف البرغوثي أن أبرز خصائص الأغنية الشعبية الفلسطينية: الغنائية والبساطة والجماعية والانتشار والشيوع والأصالة والحداثة وثبات شكلها الفولكلوري وشمولية موضوعاتها، أما الغنائية فهي تعني الملاءمة  بين اللحن والبحر وبينهما وبين الموضوع الذي يتغنى به وتلك الملاءمة تعتمد على تحقيق الانسجام بين الأذن واللسان.

وتتميز أغانينا ببساطة المعنى واللفظ والتراكيب لأنها من إنتاج أكثرية شعبنا وموجهة لأكثريته التي تتسم بالبساطة، وهذه البساطة تنبعث من قلة الصنعة في أغنيتنا الشعبية، فهي مرتجلة مطبوعة بالعفوية بوحي من الموقف أو الحدث.

كما تتسم أغانينا بالجماعية لأن أكثرها يخاطب الجماهير ويحرص على اشتراك الجمهور في أدائها بصورة أو بأخرى، كما تتسم بسرعة انتشارها وشيوعها وذلك لمناسبتها للبيئة الاجتماعية ومناسبة موضوعاتها لواقع الإنسان والمجتمع، وتتمثل أصالة أغنياتنا الشعبية في شدة التصاقها ببيئتها الاجتماعية والطبيعية وفي كونها تعبر عن قيم وعواطف وأحاسيس موروثة تعبيراً أصيلاً عن وجدان شعبنا وتجاربه عبر العصور والأجيال المتعاقبة (14).

وتتميز الأغنية الشعبية الفلسطينية بالحداثة التي تتمثل في التزامها التلقائي بتطوير ألفاظها ومصطلحاتها وعباراتها وتراكيبها وموسيقاها مما يتلاءم مع روح العصر وأحداث الساعة.

ومما يميز أغانينا الشعبية ثبات شكلها الفولكلوري، وما يطرأ من تغيرات على تلك الأغاني تظل مقصورة على مادتها أي على ألفاظها وتعابيرها وجملها وموضوعاتها، لكن الشكل لا يتغير.

وتعالج الأغنية الشعبية الفلسطينية الكثير من الموضوعات التي تهم شعبنا وتقع تحت إحساسه، ولكن نظراً لمواكبة الأغنية للأحداث ولكوننا نعيش في ظل احتلال بغيض ونعاني من الظلم والقهر والشتات والضياع، فإن موضوع الوطن يحظى بنصيب الأسد من أغانينا الشعبية ، ولعل ذلك يضفي عليها خاصية الثورية بما تتطلبه من حماس وقوة تنعكس على مفردات الأغنية وتعابيرها وجملها الكلامية والموسيقية.

وأغانينا الشعبية غنية متنوعة متجددة، فمن ألوانها المشهورة: العتابا والميجنا، والدلعونا، ومشعل، وظريف الطول، واغزيل، والجفرا، والسجحة أو السامر، والشروقي، والمعنى، والطلعات، والتشاويق الدينية، والبكائيات وأغاني الأطفال وغيرها … (15).

والأغنية الشعبية في تراثنا الشعبي تحمل صفاء النفس، وعمق المغزى وبساطة التعبير الموحي، وتشف عن حياة الشعب الواقعية الصادقة خاصة وأنها ارتبطت بالأرض الطيبة المعطاءة ، وبالعلاقات الاجتماعية والعادات الفلسطينية، ولطالما غنى شعبنا (العتابا) وهو  يشق الأرض الطيبة بمحراثه، وعزف رعاة قطعان الماشية على أراغيلهم وشباباتهم فوق القمم الخضراء، تداعب ألحانهم زهرات الأقحوان الندي ، وتطرب عناقيد العنب وأغصان الزيتون (16).

وسميح القاسم من أبرز شعرائنا الذين استخدموا واستلهموا الأغنية الشعبية وهو يعلم مسبقاً إقبال الشعب عليها وحفظه لها وتدبر معانيها، فهو يقول في قصيدة بعنوان “مغني الربابة على سطح من طين”:

على سطح من الطين

تئن ربابة المأساة في كفين من حجر

فتسقط أدمع القمر

ويصعد صوت محزون، ينادي الأخوة الغياب

في دنيا بلا خبر

يناديهم مع اللحن الفلسطيني:

“طلع العشب عسطوحكو ويبس العشب

يللي عحد الأرض مرميين

يا ريت تيجو تطلطلوا عالتين

وتجبروا ـ المشخره ـ أقلام العنب

يا ريت تيجوا ترشقوا البيوت

وتصلحوا لبواب والسدّة

أو تنشلوا حفنة ميّ للوردة

وتمشطوا عنها وراق التوت

يا ناس بردت دلة القهوة

ومعزب الرحمن واقف للسلام

بدو يزغرت عش عالسروة

ويصيح : طلوا . يا هلا .. برج الحمام !”

غناؤك يا غريب طال وطالت الأيام

وأورقت الربابة في يديك وشاخت الأنغام

فهل ستظل طول العمر محروماً تنادي

مع اللحن الفلسطيني ؟

وهل ستظل طول العمر، تشحذ عودة هرمت ؟

على سطح من الطين ؟؟ (17)

في هذه القصيدة اقتبس الشاعر سميح القاسم أغنية شعبية عاطفية حزينة وذلك في سياق نصه الشعري الذي عبر فيه عن مرارة الاغتراب عن الأرض ومعاناة الفلسطيني وتشرده وافتقاده لبيته الذي بناه وأرضه التي زرع أشجارها بيده، ولكنه افتقدها بفعل الاحتلال الذي اقتلعه عنوة منها وبكل قسوة، فحرم من تلك الأرض، لذلك فهي تناديه لأن الحياة الحقيقية لا تتحقق إلا بهذا الالتقاء الروحي بين الإنسان وأرضه.

ومن الواضح أن الأغنية وظفت توظيفاً فنياً رائعاً وجاءت منسجمة مع روح النص الشعري والموقف الشعوري، وأسهمت في تكامل البنية الفنية للنص، وقد كانت – كما يقول الدكتور إحسان عباس –  المحور، وما يجيء قبلها أو بعدها إنما هو أشبه بالفاتحة وبالتعليق على المتن وهي بهذا تحتل دور الخرجة في الموشح (18).

لقد مهد الشاعر للأغنية الشعبية التي اقتبسها من التراث الشعبي الأصيل الذي يعبر عن وجدان الشعب بأن جعل سطح الطين مسرحاً لمغني الربابة التي تيبست كفاه وهو يغني ويبكي ويُبكي القمر في السماء وينادي هؤلاء الغياب بهذه الأغنية (19)، وتجسد الأغنية مأساة شعب حُرم من التواصل مع وطنه، حيث مر وقت طويل على غيبة الأهل عن بيوتهم التي طردوا  منها، بحيث طلع عشب السطوح المصنوعة من الطين، ويبس هذا العشب قبل أن يعودوا، واسودت عساليج العنب من العطش وافتقاد صاحب الأرض، وبدت آثار الزمن على كل شيء، فأبواب الدار بليت لأنها مهجورة تنقصها الرعاية بسبب عدم إقامة أهلها فيها ودخولهم وخروجهم منها، والورود جفت وغطت أواق التوت الجافة سطح الأرض وأصحابها مازالوا على أطراف الدنيا منفيين، وكانت عبارة الشاعر: (يناديهم مع اللحن الفلسطيني) مقدمة للأغنية، وبعدما أكمل المغني الأغنية الشعبية علق الشاعر عليها بأن تضامن مع مغني الربابة وأشفق عليه من طول غنائه وانتظاره وهو متجمد على سطح الطين. وكان تعليق الشاعر الذي يبدأ بقوله: غناؤك يا غريب الأهل …. طال وطالت الأيام، وينتهي بقوله “وهل ستظل طول العمر تشحد عودة هرمت على سطح من الطين”  رد فعل وتأثير من سماع الأغنية لذا فإن الأغنية هي العمود الفقري للقصيدة وشكلت علائق بنيوية مع الواقع بكل أبعاده، وصورت لنا حال الفلسطيني الذي يئن تحت وطأة الانتظار لما سيأتي ، وفيها دعوة مبطنة من الشاعر إلى عدم الركون إلى الغناء الحزين والانتظار، فقد شاخت الأنغام وتجددت الأحلام في ظل هذا الانتظار (20).

إن شاعرنا الذي ينقل عن مغني الربابة من على سطح من الطين نداءه لإخوته الغياب مع اللحن الفلسطيني يروي –  كما يذكر الدكتور عبد الرحمن ياغي – اللحن في لغته الشعبية وصورته الغنائية وتراكيبه الفلسطينية … وهذه ظاهرة إنسانية كريمة لدى شعراء الأرض المحتلة حيث تراهم يتعلقون بمن يبني الحياة ويغرس الخير ويصنع بأيديه كل مقومات الحياة، إنهم منتمون إلى هؤلاء الناس ومن أجل هذا فهموم هؤلاء الناس مرتبطة بهموم هؤلاء الشعراء، فهم شخوصهم وهم أبطالهم في بنائهم المعماري، وما يصدر عنهم موضع اهتمامهم واحتفالهم وتعبيراتهم الشعبية من أغان أو حكايات أو أمثال كأنها السكر في أفواههم وصورهم البيانية محببة على ألسنتهم، ومن أجل هذا تراهم يضعونها في إطار تتألق فيه وتتوهج وتكشف عن روعة الروح التي صدرت عنها، وإذا هي تضاهي أرقى التعابير وأصفاها، ولا تقل مستوى عن الفصيح من الأداء (21).

ومن هذا المنطلق فإن الأغنية الشعبية التي اقتبسها الشاعر اشتملت على ألفاظ عامية وهذا من شأنه أن يسهم في الاقتراب من الحس والوجدان الشعبي والواقع الإنساني، فالفعل (ييجوا) مرادف من حيث المعنى للفعل (يأتوا)، وحرصاً على الدلالة الوظيفية للغة وتعبيرها عن الوجدان الشعبي اتجه إلى استخدام لفظة (تييجوا) لما لها من دلالة شعبية هي أقرب إلى المشاعر والأحاسيس والوجدان الشعبي، خاصة وأن الأغنية تعبر عن شيء مؤلم ومحزن مرتبط بالغربة والفقد والمعاناة. ويلاحظ من معالم الأداء اللغوي الفني أن الشاعر يسند الكلام لضمير الجماعة (تيجوا، تطلطلوا، تجبروا، تصلحوا، تنشلوا، تمشطوا) فصوت القصيدة يعبر مباشرة عن الوعي الجماعي، وهو بمثابة الاعتراف بالشراكة بين المتكلم والمخاطبين، بين الشاعر والإنسان المحزون والمنكوب. وهو اعتراف شديد الأهمية لأنه يقع على النفس ويكشف عن مظهر من مظاهر التواصل والتلاحم .

ويوظف الشاعر بطريقة فنية خاصية جوهرية في البنية الشعرية العربية وهي التكرار المتراكب، والذي يتمثل في إضافات متتالية للكلمات والصيغ بما يسمح بتأكيد المقول من ناحية وتجاوزه بالتنمية من ناحية أخرى ، فعندما يتكرر الفعل (ينادي) وعبارتي: (ياريت تيجو) و (هل ستظل طول العمر) فإن ذلك يفيد التأكيد ، كما يضفي على المعنى المزيد من الدلالات ، فالشاعر يحمل مثل هذه البنى اللغوية مع ما فيها من إحساس بالحزن والألم، يحملها معنى الانتماء والتواصل مع الأرض رغم الفراق المرير والموانع الصعبة القاسية.

وواضح من هذا التوظيف للأغنية الشعبية أنه لم يكن اقتباساً محضاً من التراث الشعبي وإنما كان عملية تفجير لطاقات كامنة في هذا النص (22)، لقد اتخذت الأغنية الشعبية في نفس الشاعر مساراً نفسياً خاصاً وتحددت أمامه ببعد شعوري يرتبط بأزمته وأزمة شعبه الراهنة.

ويستخدم سميح القاسم تضمين الأغنية الشعبية في أكثر من موضع من دواوينه ومن ذلك قوله:

هذه القنطرة الباقية منك يا منازل جدي

تبرعت بها جدتي للثوار ليشتروا بندقية

سأطليها بماء الذهب والكتابة الكوفية :

“ومرشوشة بالعطر يا دار لفراح

ومشكلي بالود والمسك فواح

يا دار يلي تلملم شملنا فيك

وإن عشنا يا دار بالحنا لحنيك

وأجيب بنا يبنيلك علاليك”

في مغرب الشمس الوقور وشروقها الطازج

افترش التراب اللزج لأقرأ برقيات التعزية

تحتها … هذه القنطرة …(23)

الشاعر في هذه القصيدة يشحن النص بمضامين من ألحان الأمل الذي ارتبط بماضي النضال والجهاد من أجل الدفاع عن الأرض وعن الهوية، وكأنه يربط بين الماضي والحاضر ويجعل من القصيدة مواكبة للأحوال والظروف ومعبرة عن أحداث السنين بكل ما فيها من أمل وألم. فوسط خرائب الدار الفلسطينية التي دمرها العدو الصهيوني بقيت لجدة الشاعر سميح القاسم قنطرة كانت تحمل سقف البيت، لكن جدته لم تقف أمامها لتبكي على أطلال بيتها، وإنما تبرعت بها للثوار ليشتروا بثمنها بندقية ، ليواصلوا مشوار استرداد الأرض والكرامة. وكانت الأغنية بمثابة الدفعة المعنوية التي استقاها الشاعر من التراث الشعبي وورثها من جدته، كما ورثت هذه القنطرة الجميلة وسط هذا الخراب (24).

والشاعر يوحي بتضمين الأغنية قوة العلاقة الروحية بين الإنسان وداره التي هي رمز للوطن الذي لا يستطيع فراقه ، وتعكس الأغنية ملامح هوية الفرد الفلسطيني إذ حافظت على هذه الهوية من الضياع رغم التمزق والشتات، وأصبحت الذكريات بمثابة الأوتار التي تشد الفلسطينيين إلى ساعات من الدفء الصادق واللقاء، ولو عن بعد. ولقد كان لصدور هذه الألحان من منبتها الأصلي الشعبي أثر فعال في صدقها وعفويتها، مما جعل الشاعر أقدر على توظيفها واستحضارها في نصه الشعري ، لقد استطاع الشاعر أن يربط بين فكره المقاومة التي رمز لها بالبندقية وبين ما حملته الأغنية من معنى الحفاظ على الدار (الوطن) والاعتزاز بها كرمز للكرامة والعزة وتحقيق الهوية الوطنية.

  وقد طرح الشاعر هذه الرؤى والأفكار والمشاعر الإنسانية عبر توظيف الضمائر وعبر تناوب الوعي بين الأنا والـ نحن، بين الوعي الفردي والجماعي، وقد تم تحقيق ذلك في النص من خلال اللغة الشعرية التي تتميز بتفعيل الطاقة الإيحائية، ذلك أن استعمال اللغة لإيصال الرسائل الفكرية يبقى سمة عامة وعالمية حسب تعبير يوري لوتمان. لكن العمل الفني الرفيع “لا ينقل رسالة جاهزة، بل رسالة تكون بمثابة مولد لرسائل جديدة أو متجددة خارجة عن المعتاد والمألوف (25).

إن ما سبق من نماذج شعرية تدل في صلبها على المصدر التراثي الشعبي وهو الأغنية الشعبية الذي فجر منه الشاعر ما يعينه في موقفه الشعوري وذلك بصورة واضحة غير خفية، فكانت الأغنية المحور الفكري والشعوري للقصيدة من حيث هي كل، ولكن أحياناً تكون الصورة أكثر خفاء عندما تكون الأغنية الشعبية هي نقطة الانطلاق بمعنى أن الشاعر يغير في شكل الأغنية أو يحور في مضمونها أو يولد منها دلالات تتناسب مع تجربته، وفي هذه الحالة تكاد القصيدة تخلو من عبارات الأغنية كاملة ، ولكن ما نكاد نقرأ ما برز في النص حتى نهتدي به ونتخذه مفتاحاً شعورياً وفكرياً نلج به أبواب الأفكار والمعاني التي تتضمنها القصيدة.

وفي قصيدة (أصوات من مدن بعيدة) يستحضر سميح القاسم أغنية شعبية مستفيداً من دلالاتها وموظفاً لها في تشكيل دلالات جديدة ومحملاً لها معاني سياسية ووطنية وقومية جديدة.

  يقول الشاعر:

يا رائحين إلى حلب

معكم حبيبي راح

ليعيد خاتمة الغضب

في جثة السفاح

يا رائحين إلى عدن

معكم حبيبي راح

ليعيد لي وجه الوطن

ونهاية الأشباح

يا رائحين ، وخلفكم

عينا فتى سهران

ما زال يرصد طيفكم

قمراً على أسوان … (26)

ترتفع نبرة الخطاب القومي في هذه القصيدة التي اتكأ فيها الشاعر على الأغنية الشعبية ووظفها للتعبير عن قضايا وطنية وقومية، وقد اتجه إلى التغيير في شكل الأغنية والتحوير في مضمونها وحملها دلالات جديدة، فأصل الأغنية مرتبط بالفراق:

يا رايحين ع حلب حبي معاكم راح

يا محملين العنب فوق العنب تفاح

كل حبيبته معه وأنا حبيبي راح

يا رب نسمة هوا ترد الحبيب لنا (27)

ويحمل النص بما تضمنه من دلالات جديدة وتحوير في بنية الأغنية الشعبية معاني التواصل والقدرة والقوة، كما أنه يتسع ليشمل الأمل الوطني في التحرير من خلال التلاحم العربي ليمتدد حتى حدود الأمل العربي المنشود في الوحدة والمنعة والقوة والصمود، فلا وجود لفلسطين بمعزل عن الشام ومصر واليمن وبقية أقطار العالم العربي ولا فرق بين قطر وآخر، فالشاعر الذي هده الفرقة العربية والاختلافات بين الأخوة لا بد أن ينتظر تحقق حلم الوحدة التي تفتح أمامه أبواب الأمل والحياة من جديد. ولنتدبر كيف تسرب هذا المعنى إلى نفس الشاعر من خلال القصيدة والتعبير الشعري “لقد حضر النص هنا بثوب فصيح، ولكن الشاعر جعل الحبيب المسافر هنا حبيباً من نوع آخر، (حبيباً ثورياً) انتشر بفكرته في كل بقاع الوطن العربي من عدن إلى حلب إلى أسوان، جعل لهذا النموذج الثوري الموزع في كل الأقطار مقراً واحداً يلتقي فيه الجميع ألا وهو قلب الشاعر الفلسطيني، الذي يعيش في الوطن فلسطين ساحة العودة، وكأنه يطالبهم جميعاً أن يجعلوا تحرير فلسطين ساحة نضالهم الحقيقية” (28).

إن تداخل مقاطع من الأغنية الأصل في نسيج النص ليس مجرد تداع ذهني منفصم عن سياق النص، بل إنه توظيف موفق واسع الدلالة، فالنداء الموجه إلى الراحلين إلى حلب وعدن وأسوان والوقوف عند هذه الأماكن كرموز للوجود العربي، وتبرير ذلك التواصل الذي سيثمر ثورة وقدرة وقوة للعرب جميعاً، كل ذلك من صميم الموقف النفسي الذي يرجوه الشاعر والإنسان العربي في فلسطين وفي كل مكان من أرض العرب لما يمثله ذلك من تحقيق الهوية العربية والصمود والقوة والتكامل والتجاوب الوجداني والتوحد الروحي بين أبناء الأمة الواحدة.

وقد كان للمكان حضوره وإيقاعه في النص، كما تجسدت فيه بوضوح شعبية الدلالة وقومية الموقف بأبعادها النفسية والإنسانية. وعندما يحقق المكان سلطة الحضور في النص بوصفه رمزاً “يمتلك قدرة كافية على الاحتفاظ بثباته وقدرته على التصوير والإشعاع، ولاسيما إذا كان هذا الرمز ممثلاً لدلالة شعبية لها أهميتها غير الاعتيادية على الذاكرة الجماعية إلى الدرجة التي تتحول فيها إلى رموز مكانية وتاريخية ونفسية حتى خارج النص، لذلك فإنها تدخل النص وقد اكتسبت صفتها الرمزية مقدماً” (29).

والرموز المكانية “حلب، عدن، أسوان”  رموز واضحة القصدية يستهدف توظيفها تحقيق كثافة دلالية احتمالية خارج قوس المعنى المتموضع. إنها إشارات متجاوزة تحاول إيصال بثها إلى مختلف أجزاء النسيج المكون للنص، كما يؤكد حضورها الاستثنائي على صعيد الدلالة، وفي الوقت نفسه تحقق إيقاعاً خاصاً يتردد صداه بين رمزية المكان في الذاكرة الجماعية “الخارج” وبين رمزيته في النص (30). المكان هنا يرتفع في تشكيله المادي الصرف إلى واقع حلمي “رمزي” يرتبط بأمل الشعب والأمة، يفيد من الدلالة الشعبية ويستثمرها في سبيل زيادة كثافة الإيحاء في بنيتها اللغوية والإيقاعية.

فـ “حلب” “عدن” “أسوان” أكبر من الصفة المكانية المحددة لها في الواقع، وأوسع تأثيراً وأكثر قدرة على الاستجابة لعاطفية المشهد الشعري، إنها اكبر من كونها لها تاريخها وملامحها، و “حلب” رمز العروبة والتصدي للغزاة (الروم والصليبيين والفرنسيين)، لقد كانت حاضرة من حواضر الدولة العربية وعاصمة للدولة الحمدانية التي كانت تواجه الروم بقيادة زعيمها سيف الدولة الحمداني الذي كان يدافع عن ثغور الإسلام والمسلمين في وجه الأعداء، و “عدن” رمز الثورة على الاستعمار البريطاني وهي عنوان للحضارة العربية اليمنية عبر عصور التاريخ القديمة، و “أسوان “رمز البناء والعطاء والتحدي لقوى الاستعمار، ورمز الإرادة العربية واستقلالية القرار العربي، وبخاصة أنها احتضنت مشروعاً وطنياً قومياً “السد العالي” بما يحمله من دلالات سياسية وتاريخية عديدة. كما أنها رمز لمصر العربية قلب العروبة وحصنها الحصين، وكأني بالشاعر يربط الماضي بالحاضر ويريد أن يكون هذا التواصل بين أقطار الأمة الواحدة وأبناء الشعب العربي الواحد. وهكذا فإن هذه الأماكن تحولت إلى رموز شعرية تثوي في داخلها دلالات كثيرة تنتج طاقات ايجابية كبيرة وتولد قيماً معنوية وإيقاعية جديدة تأتي من صداها في الذاكرة وحضورها الآخر في النص، وبخاصة من خلال ارتباطها بالأغنية الشعبية التي تعبر عن الوجدان الشعبي، ولهذا فإننا نلمس صدى النص التراثي الشعبي ( الأغنية ) ولكن بعد أن أخذت مساراً نفسياً آخر في نفس الشاعر، فالشاعر يريد أن يبعث برسالة، إنه ممتلئ بها ويريد أن يخرجها إلى النور بدلالات سياسية ووطنية وقومية، ولكن من خلال ما يمكن أن نسميه توليد المعاني وتوظيفها فنياً.

مما سبق – ومن نماذج أخرى كثيرة يصعب الوقوف على أغلبها في هذا البحث المحكوم بعدد محدد من الصفحات وبعدد محدود من المحاور –  اتضح أن الأغنية الشعبية كان لها حضورها الفاعل في شعر سميح القاسم تارة بتضمينها وتارة بالتناص معها مما يعني أن الشاعر استطاع توظيف الكثير من الدلالات والمعاني والطاقات النفسية والإيقاعية التي تكتنز بها الأغنية الشعبية التي هي أقرب إلى نفوس الناس وأكثر تعبيراً عن واقعهم وأحوالهم ومشاعرهم.

 الحكاية الشعبية :

الحكاية: ما يحكى ويقص، وحكى الشيء حكاية: أتى بمثله، وهذا مرتبط بالمحاكاة، أي محاكاة حال واقعة بحال متخيلة وهي طور جديد في حياة الإنسان القصصية ، نشأت مع الإنسان الناضج في الحياة المدنية ذات الجماهير الفقيرة، وذات المتاعب والمصالح المشتركة المتشابكة، وبعد أن اكتمل الأداء اللغوي عند الإنسان، ونضجت فيه القدرة على السرد والنقد والملاحظة الشخصية، وأصبح يملك قدراً من الذكاء يساعده على تزجية ما لديه من نقد أو ملاحظة في أسلوب قصصي مدهش يقوم على المحاكاة (31).

والحكايات الشعبية هي حكايات تناقلتها الأجيال مشافهة ولم يعرف مصدرها، ولم تثبت روايتها على صيغة واحدة. والحكاية في صورتها التعبيرية لون من ألوان التمثيل الكلامي يعتمد في البداية على فرد واحد غير معروف هو الذي يبتدع الحكاية ويتصور وقائعها ويرويها للناس، وهي في صورتها الاجتماعية أسلوب اجتماعي هدفه الإصلاح والتقويم والتوجيه والمدافعة في مجال الحياة العامة، وعلى هذا نجد فيها النقد اللاذع، والسخرية المرة والفكاهة الضاحكة اللاذعة، كما نجد فيها إثارة العبرة الرادعة أو القدرة النافعة، أو الإقناع بحقيقة الواقع الأليم الذي تتجنبه النفوس، ومن الطبيعي أن تكون الحكاية الشعبية بهذه الصورة الاجتماعية مادة متطورة مع الزمن فهي دائماً تلاحق المجتمع في تطوره وتتابعه، في اتساع نطاقه وتعداد أغراضه وتنوع مصالحه، وبهذا التفاعل مع أحداث المجتمع كانت الحكاية وعاء لكثير من أحداث التاريخ وتصويراً دقيقاً لوقائع هذا التاريخ يدل على صدق الإحساس الشعبي العميق بهذه الوقائع (32).

ويشمل اصطلاح الحكاية الشعبية “ذلك الحشد الهائل من السرد القصصي الذي تراكم على الأجيال، والذي حقق بواسطته الإنسان كثيراً من مواقفه وسبب الجانب الكبير من معارفه، وهو ليس وقفاً على جماعة دون الأخرى، ولا يغلب على عصر دون آخر” (33)، وهي تمتاز “بالعراقة والمرونة وحرية الرواية الشفوية بالزيادة والحذف عبر العصور والبيئات ” (34) .

والحكاية في الشعر تعتمد الإشارة العابرة ، واللمحة السريعة، والتنبيه الخفي ، وتعتمد على بعض خصائص العنصر الدرامي ، لتضمن النفاذ إلى الأعماق من خلال بساطة لغتها، ووضوح فكرتها، وجمالها العفوي، فتغني الشعر بالطاقة الجمالية، وتمده بالقيم الفنية المعنوية والشعورية، وتحد من الضبابية التي بدأت تسود القصيدة المعاصرة (35).

من أجل ذلك فقد وجدنا سميح القاسم بصورة مميزة – وغيره من الشعراء الفلسطينيين – يتخذون من الحكاية الشعبية مادة خصبة، يوظفونها في قصائدهم على مستوى الشكل والمضمون محققين من وراء هذا التوظيف مزيداً من العمق الدلالي أولاً، ثم مزيداً من الثراء والتنوع الشكلي ثانياً، وأخيراً المزيد من التلاحم مع جمهورهم الفلسطيني الذي يشعر بعلاقة حميمة مع الحكايات الشعبية ، فيقبل على الشعر الذي يستخدمها ويتكئ عليها (36).

لقد عوّل سميح القاسم كثيراً على هذا الشكل التراثي الفني (الحكاية الشعبية) وذلك يعود لاعتبارات فنية أشرنا إليها، فما تتميز به الحكاية من سمات جمالية تجعلها أقرب إلى قلوب الناس ومشاعرهم وعقولهم، كما أنها تعبر عن شخصية الأمة وتحافظ على هويتها في مواجهة أبشع وسائل البطش والطمس والإقصاء.

ويعد امتلاك سميح القاسم وتمكنه من أدواته الفنية عاملاً مهماً في نجاحه في توظيف الحكاية الشعبية في شعره، فقد استقامت له الحكاية أسلوباً ولغة ودلالة، وأعماله الشعرية  الكاملة تضم نماذج كثيرة من الحكاية الشعبية بكل مقوماتها من عفوية وبدائية وبساطة ووضوح، ولغة حوار، وتفصيل ودراما فكرية واقعية، وقد وفق فيها توفيقاً قل أن يتوافر لغيره من الشعراء.

ومن الحكايات الشعبية التي يجد فيها سميح القاسم مجالاً خصباً للتعبير عن أفكاره، ومشاعره حكايات “الغيلان والجن والعفاريت والسحر” وهي ما يعرف بحكايات الخوارق التي يعرفها نمر سرحان بأنها ” تلك الحكايات التي تتضمن جزيئات ذات مضمون خارق للعادة ” (37).

وحكايات الغيلان حكايات متواترة بالرواية الشفوية وتتركز الأحداث حول بطل أو بطلة، وغالباً ما يكون البطل فقيراً أو مضطهداً أو يتعرض لامتحان عسير تتوقف عليه حياته أو حصوله على ما يطمح إليه، ويتعرض البطل للعديد من المخاطر، وبعد أن تلعب الخوارق دوراً ملموساً يستطيع أن يصل إلى غرضه، وفي العادة يلاحظ أن الغول شخصية أساسية في هذه الحكايات وهو يؤثر بالسلب أو الإيجاب على أحداث القصة، ويساعد على تطويرها، وتتألف حكايات الغيلان من جزيئات يغلب عليها بقايا متخلفة من الماضي تمثل أشكال المعتقدات الأولى التي نشأت قبل تكوين الحكاية بفترة طويلة، وهي مرتبطة بأساطير قديمة، ولكنها بعد تطورها تعكس ملامح من الحياة الشعبية. والغول بسماته البسيطة الموجودة في الحكاية الشعبية وبارتباطه بالوجدان الشعبي أمر لا وجود له بل هو مجرد رمز لذلك الكائن الذي تجمعت حوله الكراهية الشعبية، إنه رمز لأولئك المتنفذين المستغلين طوال عصور الظلام، ورمز للاضطهاد والاستغلال البشع (38).

وقد كان لحكايات الغيلان حضورها في شعر سميح القاسم وقد استطاع الشاعر أن يتناولها في صورة جزيئات ووقائع مستعارة من الحكايات الشعبية حيث وظفها الشاعر لتصبح جزءاً مهماً من نسيج القصيدة لتحمل دلالات عديدة تؤدي وظيفة فنية محددة .

وفي قصيدة “الهولة الثالثة”  لسميح القاسم يصور الشاعر معاناة الإنسان الفلسطيني الذي انشطر إلى نصفين نصف تجذر في وطنه وعاش ومات فيها، وكان موته عنوان البقاء والصمود والتحدي، والنصف الآخر الذي فرض عليه أن يغترب ويهاجر تحت حراب القتل والتدمير والإبادة فكانت حياته خارج الوطن موت حقيقي وألم وحزن دائم، فيعقد الشاعر مقارنة أو يوضح عن طريق المفارقة ملامح الاختلاف بين حالتين، حالة من صمد في وطنه ومات هناك فكان كمن تحدى الألم والهوان والظلم بالصمود والبقاء، والموت في الوطن دون أحلام زائفة، وحالة من عاش بعيداً عن هذا الوطن فكانت حياته قطعة من الجحيم بسبب فراق الوطن والرحيل عنه:

مات في بيته فانتقم

لم يهن للألم .. لم يكن للندم

كان مستهتراً بالطوالع !

لا يشتري صحفاً تنشر الحظ في صدر أبوابها الثابتة

ولذا مات في بيته

……………………..

إنما صاح بي صاحبي

صاح من منتهى موته:

خلف مملكة الموت مملكة لم تطأها قدم

وعلى بابها حارس منذ صحو الردى لم ينم

خلف مملكة الموت مملكة

يوم عفت الممالك يممت أسرارها

في الطريق انتبهت إلى هولة أوقدت نارها

خفت يا صاحبي

قلت أبدؤها بالسلام

قهقهت ثم ردت وما من كلام

“لولا سلامك

سبق كلامك

لفصفصت عظامك

قبل لحامك” (39)

ومن الواضح أن الشاعر استخدم الحكاية في قصيدته ووظفها فنياً، معتمداً على مزية الحكاية ودلالاتها الخفية، فهو يعتمد على التلميح من بعد مستخدماً الحكاية في إفراغ مضمون سياسي ليربط بين خرافية الواقع وخرافية الحكاية، فالصاحب الذي ينطلق صائحاً من موته يعبر عن الإنسان الفلسطيني الذي لا يحطمه الموت (التحديات) ولا يقف عاجزاً أمام تلك التحديات والعقبات والمصاعب والمشكلات فهو أكبر من كل ذلك، وكأنه أكبر من الموت والاستسلام، فذلك الموت (العقبات) ينبجس منه التحدي والقوة والحياة.

وهذه المملكة التي جعلها الشاعر خلف مملكة الموت هي مملكة الرحيل عن الوطن بكل ما تحمله تلك المملكة من شقاء ومعاناة، وقد عمل الشاعر على تصويرها، فلم يجد صورة أو رمزاًً أبلغ من حكاية الغولة التي كانت تقف على مفترق طرق وتواجه الإنسان الفلسطيني في كل مراحل حياته في رحلة الغياب عن الوطن، وقد استعار سميح القاسم هذه الحكاية من التراث الشعبي الفلسطيني وبخاصة من حكايات الغيلان وقد أورد نمر سرحان في كتابه “الحكاية الشعبية الفلسطينية” بعضها، وبالنظر إلى قصيدة الشاعر وحكاية الغولة التي وردت في الكتاب بعنوان “بليبل الصّياح” نجد مظاهر تشابه ومظاهر اختلاف بينهما، فقد استحضر الشاعر بعض وقائع الحكاية، ولكنه لم يستحضر الحكاية كما هي بوقائعها الكاملة، وكان ذلك التعديل نابعاً من طبيعة الفكرة والإحساس الذي أراد الشاعر التعبير عنه، ومن مظاهر الاختلاف بين النصين (الشعري والشعبي) أن نهاية القصيدة كانت مأساوية بينما نهاية الحكاية الشعبية الخرافية كانت سعيدة، نهاية القصيدة كانت المنفى والسبي والتشتت، ونهاية الحكاية كانت لم الشمل والحياة الطيبة السعيدة (40).

إن استخدام السرد (والحكاية) في الشعر لا يشبه استخدام السرد في القصة لأن نُظم السرد الشعرية خاصة في أساليب الحداثة لا تسير في خط زمني طولي متطور، بل تصنع دوائرها وحفائرها الظاهرة والباطنة في جسد النص ونقوشه الجمالية فتبدو كما لو كانت تحاكي شيئاً بينما هي في الحقيقة تعزله وتنسجه، بمعنى أن دور الحكاية الشعبية يتجاوز قص مجريات أحداث من عالم خيالي أو خرافي أو خارجي.

وتتضح معالم الحكاية الشعبية في قصيدة سميح القاسم من خلال الوقوف على عدد من الدوال أو الدلالات الرمزية، فعنوان القصيدة لا يخلو من دلالة رمزية فما بين الهولة والغولة قواسم مشتركة ودلالات مقاربة.

والغولة في القصيدة رمز للاستغلال واضطهاد الإنسان للإنسان، إنها رمز ارتبط بالظلم والقهر، فقد واجه الفلسطيني الاحتلال واكتوى بناره وتعرض لبطشه وعدوانه وتشريده، وكان ذلك في النكبة الأولى عام 1948، ولم يلبث أن تعرض لعدوان واضطهاد آخر عام 1967، عام النكبة والهزيمة وتجرع مرارة القهر والظلم من الاحتلال، وكتب على كثير من أبناء هذا الشعب الرحيل من نكبة إلى أخرى أي من هولة إلى أخرى ولكن يبقى هذا الشعب في مواجهة الأهوال والأغوال صلباً قوياُ لا ينحني ولا يستسلم، وفي هذا يشبه بطل الحكاية الشعبية الذي استطاع اجتياز العقبة تلو العقبة من الغيلان.

وإلى جانب حكاية الغيلان “تصادفنا في ثنايا الحكايات الشعبية أدوات (حكايات) سحرية، وهذه الأدوات توسل بها الوجدان الشعبي ليحقق على صعيد الخيال ما عجز عن تحقيقه على أرض الواقع” (41).

وقد وظف سميح القاسم هذه الأدوات في قصيدته لتحمل هذا الأثر النفسي إلى المتلقى، تارة للاستعانة به على عدوه الذي يتسم بالقوة الهائلة المسنودة من قوى الشر العالمية، وتارة لتقزيم فعالية هذه الأداة السحرية أمام قوة الإرادة الشعبية، ففي قصيدة ( الساحر والبركان ) يستحضر الشاعر واقعة استعانة الشاعر بالقمقم لاستخراج المارد. يقول الشاعر:

وشعوذ الساحر فانطلق

من قمقم البحار مارد صغير

يريد للزورق أن يُقبّل الغرق

يريد للحرية الحمراء

أن تقطن في كوخ … من الورق

يريد للجذور أن تحيا بلا شجر

يريد للأشجار أن تحيا بلا قمر

يريد للإنسان أن يموت في الحياة

يريد أن .. وانفجر البركان

والتهمت ساحره النيران

فعاد للقمقم أن يستجير

بساحر جديد.

بساحر .. ليس له وجود (42)

إن استدعاء الشاعر لهذه الواقعة التي يخرج المارد فيها من القمقم بيد ساحر، جاء في القصيدة ليشكل واقعة معادلة لخروج إسرائيل بواسطة الساحر البريطاني إلى الوجود بعد أن كانت شيئاً لا وجود له في قمقم العالم، ولكن الشاعر لم يجار الحكاية الشعبية إلى النهاية، بل جعل المارد صغيراً، وجعل خروجه إلى الوجود مصاحباً لانفجار بركان رهيب أحرق الساحر، رامزاً بذلك إلى الحرب العالمية الثانية التي انفجرت فأحرقت القوة البريطانية التي لم تغب عنها الشمس، وعاد المارد الصغير الذي يرمز إلى ( إسرائيل ) يستعين بساحر جديد – ربما يكون الساحر الأمريكي –  ليخرجه من جديد عملاقاً إلى الوجود، لكن الشاعر في النهاية يتوقع نهاية محتمة لهذا الكيان، لأنه لن يجد في المستقبل ساحراً جديداً، وسيكتشف أنه يستعين بساحر جديد ليس له وجود ! (43).

وتوظيف الحكاية الشعبية يجنب القصيدة الغنائية الصرفة، والتجربة الذاتية، وينقلها إلى أسلوب حافل بالإيحاء والرمزية والتعريض الخفي، إلى تجربة عامة تتسم بالشمول والعموم ويبتعد بالقصيدة عن المباشرة والتقريرية، وقد اتضح في القصيدة السابقة عندما استخدم سميح القاسم جزيئات الواقعة والحكاية السحرية بعد أن أعاد صياغتها في نمط جديد هو من صنع الشاعر يحمل دلالات معنوية وفكرية وجمالية محددة لها ارتباط كبير بقضيته الوطنية.

      وبالإضافة إلى عالم السحر وحكاياته نجد أن لحكايات الجن صدى واضحاً في الوجدان الشعبي الفلسطيني، الذي وجد فيها تعويضاً عن عجزه وتنفيساً عن كبته، ولاسيما في زمن الظلم والقهر الذي يعجز الإنسان بطاقاته العادية أن يغيره (44)، ولذلك فإن مظاهر من عالم السحر والجن، عالم التحولات المفاجئة تنتشر في قصائد سميح القاسم، وتأخذ موقعها الوظيفي المناسب في تجربته الشعرية.

     يقول الشاعر:

وتمسك الجنية بطرف البرق

وتهوي معه، إلى سياج الكوخ

وكانت الصبية نائمة

فقصت الجنية بظفرها الفضي

خصلة شعر ناعم أشقر مثل العسل الممتاز

وابتسمت في حلمها البنت

ودست جنبها الجنية جوهرة من أثمن الألماز

وعادت الجنية

وأمسكت بطرف البرق

وطارت معه، طارت إلى مملكة الغيوم

وقهقهت مزهوة، وقهقه الأمير

من فرح .. وصاح بالنجوم:

تزيني لحفلة الزفاف (45)

ومن الواضح أن هناك تلاحماً بين المأثور والواقع النفسي للشاعر ، فقد وجد الشاعر في هذه الحكاية توجيهاً نفسياً يحدد لنا المسار النفسي لشعوره الراهن، فعمق ما بشعر به الشاعر من أزمات وما يتعرض له شعبه من قلق وألم ومعاناة بفعل الاحتلال والتشريد والاغتراب دفعه إلى التعبير عن عالم حافل بالتحولات وبالغرائب وفي ذلك نوع من الهروب من الواقع ليس لتناسيه ولكن للوصول إلى عالم من الخيال المحبب الذي يعيش الإنسان في ظلاله لحظات من الأمل، فالجنة في واقع القصيدة لم تكن سوى مصدر تعويض عن النقص والنقد والخوف، فحققت الكثير مما تحلم به الصبية وجعلتها تعيش عالماً آخر تغمره السعادة والغنى والرضا.

وقد ارتبطت الحكاية الشعبية ببعض الشخصيات التراثية التي ترمز لمواقف وصفات خاصة كشخصية “جحا ” التي جعلوا منها في التراث الشعبي عنواناً لعدد لا يحصى من الحكايات والمفارقات التي تبرز معاني الغفلة أو العبرة في الأمور الشائعة بين الناس.

والحق أن هذه الشخصية وأمثالها من الشخصيات عندما ترد في حكاية توظف فنياً في قصيدة لدى شاعر من الشعراء لا تكون مقصودة لذاتها، إنما هي شخصية تمثيلية ترمز لمعنى، وتمثل الحكايات التي ترد على لسان “جحا” في الغالب تعبيراً عن الكبت الاجتماعي الذي تفرضه التقاليد والعادات الجامدة، ولكن هذه الشخصية توظف أحياناً لنقد الواقع بأبعاده السياسية والسخرية من مواقف القادة والحكام وهذا يؤكد أن للشعر دوراً مهماً في تعرية الزيف والكشف عن الأقنعة، ولا يلبث أن يفضح التقصير ومن يرتكبه في حق الأمة والأوطان.

نلاحظ ذلك في توظيف شخصية جحا التراثية بما تحمله من عمق السخرية والنقد الحاد ومن خلال أسل�

    بدون تعليقات لـ “توظيف التراث الشعبي في الشعر الفلسطيني للحفاظ على الهوية الوطنية”

إكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*إسمك الكريم *